ابن المدينة المنورة الذي حمل حلمه إلى الظهران
حين يُستعاد تاريخ البدايات الأولى للإعلام المرئي في الخليج العربي، فإن اسم فهمي يوسف بصراوي يبرز بوصفه واحدًا من الرجال الذين سبقوا زمنهم، وصنعوا حضورهم بالثقافة والاجتهاد والإيمان بقيمة المعرفة. وُلد في المدينة المنورة عام ١٣٤٢هـ الموافق ١٩٢٢م، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، قبل أن ينتقل إلى جدة ويعمل كاتبًا في الشرطة براتب متواضع. لكن طموحه كان أكبر من حدود الوظيفة التقليدية، حتى لمح ذات يوم إعلانًا في صحيفة «أم القرى» تعلن فيه شركة أرامكو حاجتها إلى موظفين ومعلمين سعوديين، فقرر أن يخوض مغامرة لم يكن يعرف إلى أين ستقوده.
رحلة الثلاثة عشر يومًا
لم يكن السفر إلى الظهران في تلك السنوات أمرًا سهلاً، بل كان أشبه برحلة إلى المجهول. وقد استغرقت رحلته نحو المنطقة الشرقية نحو ثلاثة عشر يومًا ونصف اليوم، متنقلًا بين وسائل السفر الشاقة حتى وصل إلى الظهران، المدينة التي ستغيّر حياته بالكامل. هناك بدأ رحلته الحقيقية مع التعليم والعمل والتطوير الذاتي، فتعلم اللغة الإنجليزية بجهد شخصي مذهل، حتى أصبح من أوائل السعوديين الذين عملوا في تعليم اللغة الإنجليزية للعاملين السعوديين داخل أرامكو، وفي المقابل كان يعلّم الموظفين الأمريكيين اللغة العربية وأساليب التخاطب مع المجتمع المحلي. ومن هنا بدأ اسمه يبرز كواحد من رواد التعليم الحديث في المملكة العربية السعودية، في مرحلة كانت البلاد فيها تخطو خطواتها الأولى نحو بناء الكفاءات الوطنية.
من أوائل الرواد في الإعلام والتعليم
- أول سعودي وخليجي يظهر على شاشة التلفزيون عبر تلفزيون أرامكو الظهران يوم ٢١ صفر ١٣٧٧هـ / ١٦ سبتمبر ١٩٥٧م
- من أوائل المذيعين التلفزيونيين العرب في مرحلة البدايات الأولى للإعلام المرئي العربي.
- سبق ظهوره التلفزيوني انطلاق التلفزيون المصري بنحو ثلاث سنوات تقريبًا.
- أول من قدم برنامج مسابقات تلفزيونية باللغة العربية في الخليج عبر برنامج «المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث».
- من أوائل مقدمي البرامج الثقافية والتعليمية في التلفزيون الخليجي.
- قدّم برامج تعليمية رائدة مثل:
- «تعلموا اللغة العربية».
- «تعلموا اللغة الإنجليزية».
- «تعلموا الحساب».
- أسهم عبر هذه البرامج في نشر التعليم والمعرفة بأسلوب مبسط في مرحلة مبكرة من تاريخ التلفزيون الخليجي.
- من أوائل السعوديين الذين عملوا في تعليم اللغة الإنجليزية داخل أرامكو.
- من أوائل من علّموا الموظفين الأمريكيين اللغة العربية في المنطقة الشرقية.
- من رواد التعليم الحديث والتأهيل المهني في المملكة العربية السعودية.
- من أوائل العاملين السعوديين الذين جمعوا بين التعليم والإعلام والعمل الإداري داخل أرامكو.
- ساهم في تأسيس صحيفة اليوم خلال بدايات الصحافة الحديثة في المنطقة الشرقية.
- من أوائل من عملوا في الدبلجة التلفزيونية والبرامج التثقيفية الموجهة للمجتمع المحلي.
- يُعد أحد أبرز وجوه الجيل المؤسس للإعلام والثقافة الحديثة في الخليج العربي.
من أوائل رواد برامج المسابقات العربية
ومن بين أبرز إنجازاته الإعلامية أنه كان أول من قدم برنامج مسابقات تلفزيونية باللغة العربية في الخليج، عبر برنامجه الشهير «المباراة الثقافية بين المناطق الثلاث»، الذي عُرض عبر تلفزيون أرامكو الظهران، واستمر لسنوات طويلة مقدمًا نموذجًا راقيًا للمسابقات الثقافية الجادة. كما ساهم في إعداد وتقديم برامج تعليم اللغة العربية والإنجليزية، وعمل في الدبلجة التلفزيونية، وشارك في تأسيس صحيفة اليوم، ليصبح اسمه مرتبطًا بالبدايات الأولى للتلفزيون والصحافة والتعليم الحديث في المنطقة الشرقية.
رجل من زمن البدايات الجميلة
ولم يكن فهمي بصراوي مجرد مذيع أو موظف في أرامكو، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، آمن بأن التنوير يبدأ من التعليم والإعلام والمعرفة. ولذلك ظل حضوره راسخًا في ذاكرة جيل كامل عاش البدايات الأولى لتلفزيون أرامكو، وجلس أمام الشاشة الصغيرة يتابع برامجه الثقافية والتعليمية في زمن كانت فيه المعرفة تُقدَّم باحترام وهيبة ورسالة حقيقية.
و
في يوم الإثنين ١٤ ربيع الأول ١٤٣٣هـ الموافق ٦ فبراير ٢٠١٢م، رحل فهمي بصراوي عن عمر ناهز التسعين عامًا.
وبقي حاضرًا في ذاكرة جيل كامل عرفه عبر شاشة تلفزيون أرامكو، وتعلّم من برامجه التعليمية والثقافية، واستعاد معه زمن البدايات الجميلة للإعلام الخليجي.
المصادر
صحيفة اليوم – حوار صالح المهنا
الصور:
كتاب تلفزيون أرامكو – عبدالله المدني




