النشأة والبدايات التي صنعت الهيبة
حين نذكر الدكتور عمر بن إسماعيل الخطيب، فإننا لا نتحدث عن مذيعٍ عابر، بل عن مدرسةٍ كاملة في الوقار والثقافة والرسالة. وُلد عام 1930 في عين كارم المقدسية، فحمل القدس في صوته ونبرته ومواقفه. منذ شبابه كان واضحاً أن هذا الرجل خُلق ليكون في مقدمة المشهد؛ حصل على “مترك فلسطين” عام 1948، ثم “مترك لندن” 1949، وأكمل رحلته العلمية ببكالوريوس العلوم الاجتماعية من الجامعة الأميركية في القاهرة عام 1956، ثم ماجستير الإذاعة والتلفزيون من جامعة سيراكيوز عام 1963، وصولاً إلى الدكتوراه في الإعلام من جامعة أوهايو عام 1972. لم يكن يسعى إلى شهادة تزين اسمه، بل إلى معرفةٍ تصنع تأثيراً. وحين رحل في عمّان في 7 ديسمبر 2007، رحل الجسد وبقي الصوت محفوراً في الذاكرة العربية.
بنك المعلومات… البرنامج الذي جعل الثقافة حدثاً جماهيرياً
لا يمكن لعاشقٍ لعمر الخطيب أن يمرّ على «بنك المعلومات» مروراً عادياً. ذلك البرنامج لم يكن مجرد مسابقات، بل كان احتفالاً بالعقل العربي. بدأ حضوره في برامج المسابقات منذ ستينيات القرن الماضي، لكن «بنك المعلومات» في السبعينيات كان لحظة الانفجار الحقيقي. عُرض عبر التلفزيون الأردني، ثم انتشر في السعودية ومصر والإمارات وقطر، قبل أن يعود في منتصف التسعينيات عبر شبكة ART، مصوراً في عمّان، ليجدد العهد مع جمهوره. كان يقف أمام المتسابقين بصرامته المحببة، يسأل بثقة العالم، ويستمع بإنصاف الأستاذ، ثم يفاجئ الفائز بعبارته الخالدة: «يا سلام عليك». كم من شابٍ انتظر تلك الجملة أكثر من انتظاره للجائزة! لقد أثبت أن الثقافة يمكن أن تكون نجماً جماهيرياً، وأن المعلومة الدقيقة قادرة على أن تهزّ الشاشة كما تهزّ القلوب.
مسيرته الإعلامية… حضور لا يتكرر
منذ انطلاقته في الإذاعة الأردنية عام 1959، كان واضحاً أن الخطيب ليس موظفاً في مؤسسة، بل روحاً تبني مؤسسة. أصبح رئيساً لقسم الإنتاج وكبيراً للمذيعين، ثم مراقباً عاماً للبرامج. عمل مستشاراً في السعودية، وأسهم في تأسيس التلفزيون الأردني مديراً عاماً مساعداً، ثم تولى إدارة إذاعة وتلفزيون أبوظبي. أدار مكتب جامعة الدول العربية للإعلام في دالاس، وكان مستشاراً إعلامياً في دولة الإمارات، وأستاذاً جامعياً في الأردن والسعودية، وأستاذاً زائراً في جامعة ستانفورد. وعلى الشاشة قدّم «فكر واربح»، «أنت وحظك»، «حوار»، و«FORUM» بالإنجليزية، لكنه ظل في قمة مجده مع «بنك المعلومات». كان مزيجاً نادراً من الإداري المحترف، والأكاديمي العميق، والمذيع الذي يملك الكاميرا ولا تملكه.
مؤلفاته… فكرٌ مكتوب بمداد الخبرة
لم يكن عمر الخطيب صوتاً فقط، بل كان قلماً راسخاً في الفكر الإعلامي، ومن أبرز مؤلفاته:
-
الإعلام التنموي
-
الاتصال الجماهيري (كتاب مترجم)
-
الصحافة الغربية وأسطورة الموضوعية
-
التدفق الدولي للأخبار: النمط والاتجاه
-
التعليم عبر نظم الائتمان عن بعد
-
الاستشعار عن بعد: الأطراف والدلالات والقضايا
-
تحليل اتجاهات تطور وسائل الإذاعة في العالم الثالث (بالإنجليزية)
-
جمهور التلفزيون التجاري وديمقراطية الثقافة (بالإنجليزية)
-
تأثير التلفزيون الأميركي في الخارج: إمبريالية الوسائل (بالإنجليزية)
-
رقابة البرنامج التلفزيوني في المجتمع الأميركي (بالإنجليزية)
-
التلفزيون والمسؤولية الثقافية في المجتمع العربي الحديث (بالإنجليزية)
-
أنماط عالمية في التنمية الإعلامية (بالإنجليزية)
-
فكرة التنمية ومشكلات تحديد مفهومها (بالإنجليزية)
رحم الله عمر الخطيب… فقد كان الإعلام عنده رسالة، وكانت الثقافة عنده مسؤولية، وكان الصوت عنده أمانة. ومن أحبّ هذه المهنة حقاً، لا بد أن يكون قد أحبّ هذا الرجل.


